اختتم أعضاء منظمة التجارة العالمية فعلياً مفاوضات جولة الدوحة؛ وذلك بعد 14 يوماً من المحادثات.
ولم يكن ذلك أمراً غير متوقع في ضوء كم كانت هذه المحادثات عقيمة.
أما الآن، فقد أصبح قادة العالم يحتاجون بشكل ملح إلى التفكير مجدداً في النظام التجاري العالمي.
لقد كانت الدول تأمل أن تسفر هذه المحادثات، التي سميت على اسم عاصمة قطر "الدوحة"؛ إذ بدأت فيها لأول مرة في نهايات العام 2001، عن تخفيض الحواجز التجارية إلى حد كبير، بالإضافة إلى أن تسهم في تنمية الدول الفقيرة ومعالجة المسائل صعبة الحل (مثل دعومات الزراعة التي لم يتم إيجاد حلول لها في العهود السابقة) وغيرها من ذات العلاقة باتفاقيات التعريفات الجمركية والتجارة.
وفي الحقيقة؛ قوض الفشل في إنجاح هذه الأجندة الطموحة مصداقية النظام التجاري متعدد الأطراف من جهة، بينما تسبب بالأذى للدول الأقل نمواً التي تحاول يائسة تصدير المزيد من السلع للدول الغنية من جهة أخرى.
وفي اجتماع منظمة التجارة العالمية؛ الذي عقد في نيروبي في منتصف الشهر الراحل؛ فشل وزراء التجارة من 160 دولة مختلفة في الاتفاق على أنهم يحتاجون جميعاً إلى إبقاء المفاوضات جارية.
وفي السنوات الأخيرة؛ أصبح من الواضح جداً أن المحادثات التي كان يفترض بها أن تُختتم في العام 2005 عاجزة ومشلولة بسبب عدم تواجد الرغبة أو القابلية لدى الدول الغنية مثل أميركا والاتحاد الأوروبي أو الدول النامية مثل الصين والهند من أجل تقديم تنازلات أساسية ورئيسية.
وفي بداية جولة الدوحة، تعهد المسؤولون الأميركيون والأوروبيون بالخروج باتفاق تجاري يعزز التنمية في الدول الفقيرة، بدون أن يُطلب من الأخيرة تخفيف حواجز الاستيراد إلى القدر الذي تخفضه الدول الصناعية.
لكن؛ مع بدء الدولة النامية، خاصة الصين، بتصدير يفوق بكثير ما تستورده، بدأت الدول الغنية تطالب بأن تعمد الدول النامية إلى تخفيض حواجز الاستيراد لديها إلى حد كبير مع قطع الدعومات المقدمة لمزارعيها.
وليس من المدهش أن الصين رفضت، إلى جانب الهند، هذا الأمر مصرةً على التمسك بمبادئها الأصلية.
وقد أحبط جمود جولة الدوحة العديد من الدول إلى درجة أنها أصبحت تفاوض حول الصفقات التجارية الثنائية والإقليمية.
وعلى سبيل المثال، أبرمت الولايات المتحدة مؤخراً شراكة عبر المحيط الهادئ مع اليابان وفيتنام و9 دول أخرى.
وما تزال أميركا تتفاوض مع الاتحاد الأوروبي حول شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي.
من جهتها، وقعت الصين التي تعد جزءاً من شراكة عبر الهادئ، العديد من الاتفاقيات الثنائية والإقليمية، إلى جانب اقتراح صفقة تجارية مع 16 دولة بما فيها اليابان والهند.
بصراحة الأمر؛ يمكن للاتفاقيات الإقليمية أن تحقق الفوائد والمصالح في حال بنيت على أسس صحيحة، لكنها -رغم ذلك- تهدد بتقسيم العالم إلى كتل تجارية (لكل منها قواعدها وأحكامها الخاصة بها) في مجالات مثل حقوق العمال وحماية البيئة والحصول على الأدوية.
وليست معظم هذه الاتفاقيات -التي تتفق بموجبها الدول على إلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على السلع المصنوعة داخل هذه الكتلة التجارية- تشمل دول العالم الأقل حظاً ونمواً، مثل بنغلاديش وإثيوبيا.
ويكمن نهج آخر في السعي خلف اتفاقيات أكثر محدودية، لاسيما تلك التي تضم العديد من أعضاء منظمة التجارة العالمية.
وخير مثال على ذلك هو "اتفاقية تيسير التجارة" التي تم التوصل إليها في شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام 2013؛ إذ وافق الأعضاء على تحسين إدارات الجمارك والمعابر الحدودية والموانئ لديهم.
وبموجب هذه الاتفاقية، تتلقى الدول الأقل نمواً المساعدات والخبرة التقنية من أجل مساعدتها على تطوير أنظمة التجارة لديها.
ومن الجهود الأخرى الجديرة بالاهتمام، يبرز ذلك الذي بدأ في العام 2014 بين 14 دولة عضو في منظمة التجارة العالمية، بما فيها أميركا والصين والاتحاد الأوروبي، والذي صمم لغاية إلغاء التعريفات الجمركية المفروضة على السلع البيئية مثل الألواح الشمسية وتوربينات الرياح.
وفي حين أن الاتفاقيات التي تركز على قضايا محددة أسهل من حيث التفاوض عليها، إلا أنها لا تستطيع أن تخفي المسائل الأوسع نطاقاً التي تحتاج الدول؛ غنية كانت أم فقيرة، للتصارع معها. وتحدد التجارة بشكل متزايد كيف تضع الحكومات السياسات الاجتماعية وشروط العمل داخل الأسواق المحلية، مؤثرةً بالطبع في مستقبل البيئة محلياً وعالمياً. ومن هذا المنظور، ربما تكون جولة الدوحة وصلت إلى طريق مسدود، ولكن يجب أن يكون هناك مكان لاتفاقيات التجارة العالمية يشجع بطبيعته تنمية وإدامة النمو الاقتصادي.
Comments (0)