بينما يتخرج آلاف الشباب من الجامعات والكليات الأردنية سنويا يصطدم كثير منهم بواقع وظيفي صعب يخالف تصوراتهم وآمالهم على الأغلب.
ولا تلبث فرحة جلّ الخريجين أن تتلاشى بعد أربعة أعوام من التعب والجد وبعد أن يكتشفوا أن الحصول على وظيفة تناسب قدراتهم واحتياجاتهم أمر غير متاح.
ويرى مراقبون أن ضعف المواءمة بين مخرجات التعليم في الجامعات والكليات ومتطلبات سوق العمل من جهة والفائض في أعداد الخريجين من جهة أخرى يجعل الحصول على فرصة عمل أمرا ليس سهلا.
ويؤكد خبراء أن السوق المحلية بحاجة إلى خبرات مهنية أكثر من حاجته لحاملي شهادات أكاديمية وهو ما يسهم بحل مشكلة البطالة التي تراوح نسبتها 12 % في المملكة.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد خريجي الجامعات والكليات الأردنية بلغ 74.9 ألف طالب العام الماضي إذ وصل عدد خريجي الجامعات إلى 68.47 ألف طالب والكليات إلى 6.48 ألف طالب.
ويروي طلاب لـ"الغد" تجارب عاشوها بعد تخرجهم من الجامعة أثناء بحثهم عن فرص عمل؛ سارة الشواهين خريجة من جامعة اليرموك منذ عام وما تزال تبحث عن فرصة عمل مناسبة.
وتقول الشواهين "يرجع ارتفاع البطالة بالأساس إلى ضعف التعليم وعدم مواكبته للتطورات باستمرار".
وتضرب الشواهين تخصص الإعلام في الأردن مثلا؛ إذ تشير إلى أنه يعتمد برامج قديمة وغير معتمدة لسوق العمل.
وتشير الشواهين إلى قصر فترة التدريب التي يتلقاها الطلاب في الجامعات ولذلك يتخرج طلاب غير مؤهلين لسوق العمل تماما.
وزير تطوير القطاع العام الأسبق د.ماهر مدادحة يرى أن زيادة أعداد العاطلين عن العمل بين الخريجين لها عدة أسباب منها؛
أن لا رابط بين النظام التعليمي في المدرسة أو الجامعة وسوق العمل. ويلفت إلى أنه لا يوجد دراسات كافية لمتطلبات السوق ولذلك تشكل العمالة الوافدة نسبة من عدد العاملين في سوق العمل.
ويشير مدادحة إلى أن هذا كله من مسؤولية الحكومة باعتبارها الجهة المسؤولة عن تهيئة الكوادر البشرية للسوق.
ويضيف أن "ثقافة المجتمع تحتم على الطلاب التوجه للتعليم العالي بدلا من العمل المهني لأن السوق يحتاج لعمالة مهنية ماهرة أكثر من حاجته لخريجي الجامعات".
بدوره؛ يوضح مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية د.احمد عوض أن أهم مشكلة تواجه سوق العمل الأردني تتمثل بعدم المواءمة بين طبيعة تخصصات الجامعات وسياسات التشغيل.
ويتفق عوض مع المدادحة حول مسؤولية الحكومة في المقام الأول عن مواءمة التعليم مع متطلبات سوق العمل لأنها تمثل مختلف القطاعات المتعلقة بهذا الشأن، سواء التعليم أو وزارة العمل او النقابات.
ويقول عوض "لأن المنظومة التعليمية الأردنية تعتمد أساسا عى أسلوب التلقين يتخرج طلبة بمهارات أضعف".
ويشير إلى أن الطلبة وأهاليهم لا يعتمدون على معلومات محددة حين اختيار التخصصات سيما بشأن حاجة سوق العمل بل يلجأون للتخمين في كثير من الأحيان.
ويبين عوض أن المنهاج التعليمي في الأردن لا يؤهل خريجين للسوق المحلي إنما يؤهلهم لسوق العمل الخليجي.
ويؤكد عوض "مع استمرار انخفاض أسعار النفط ستصبح هجرة العمالة الأردنية إلى دول الخليج امرا أكثر صعوبة، ما ينذر برفع نسب البطالة في المملكة".
الطالب مصطفى الطيار، خريج من كلية الادارة المعلوماتية يقول "اخترت تخصصي لشغفي بأجهزة الحاسوب وحبي الشديد للبرمجة واطلعت وقتها على التخصصات المطلوبة وغير المطلوبة في سوق العمل من خلال متابعة الصحف اليومية وتقرير ديوان الخدمة المدنية وكان تخصصي من ضمن التخصصات المطلوبة".
وأكد "عندما تخرجت من الجامعة كان لدي المهارات التي يتطلبها سوق العمل من لغة انجليزية أو خبرات في البرمجة ولكن قوبلت بالرفض من شركات عديدة تقدمت لها ولا أعلم سبب ذلك".
وشرح الطيار "تلقيت في الجامعة أساسيات العمل فقط وهو ما ينطبق على معظم الطلبة ولذلك يضطرون للتدرب على نفقتهم الخاصة بعد التخرج من الجامعة".
من جهته يرى الخبير الاقتصادي في الجامعة الهاشمية د.سامر الرجوب أن عدم قدرة القطاع الخاص على استيعاب العمالة أكثر سلبية على السوق من ضعف المواءمة بين التعليم وسوق العمل.
ويقول الرجوب "لا علاقة للتخصصات بالأمر لأنها تشمل متطلبات السوق كافة".
ويبين في هذا الصدد ان قيام وزارة التعليم العالي بافتتاح تخصصات جديدة لتقليص الفجوة بين مخرجات التعلم وسوق العمل لم تكن خطوة ناجحة.
ويشير إلى أن دور الجامعات لا يتمثل بتأهيل الطلبة لسوق العمل بل يجب تقديم برامج تدريبية تؤهلهم لذلك.
ويوضح أن بعض الجامعات الحكومية اتجهت لذلك الأمر لكنها لم تنجح تماما بينما نجحت جامعات خاصة بذلك.
ويبين أن هذه المشكلة لا تحل إلا عبر خطة لتنشيط الاقتصاد كاملا من خلال تعاون القطاع الخاص مع الحكومي لأن ما تقوم به الحكومة من زيادة اعداد العاملين فوق طاقتها الاستيعابية لن يجدي نفعا.
ويرى شاهين أن الخلل ليس بالتعليم من الأساس وانما بالجيل الجديد من الشباب لانه غير مدرك لمتطلبات العمل إلا نسبة ضئيلة منهم.
ويضيف أنه "يبعد أرباب العمل عن تشغيل الخريجين الجدد لافتقارهم المهارات المطلوبة".
ويوضح مدير موقع الكتروني داوود شاهين، أن الطلبة يفتقدون للتوعية والتوجيه من قبل أهلهم ما يؤدي لاختيار تخصص غير مناسب.
وفيما يتعلق بمشكلة الخريجين الجدد يقول الطالب زكريا الحراحشة "هناك مشكلة تتمثل بالفجوة ما بين متطلبات سوق العمل ومنظومة التعليم في الجامعات إذ أن ما يدرس ويطبق على مقاعد الدراسة من مبادئ ومعايير وضوابط؛ يختلف كليا عن طبيعة العمل في الواقع".
رئيس هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي د.بشير الزعبي يوضح أن السبب الأول لعدم المواءمة بين مخرجات التعليم والسوق يعود إلى عدم وجود تخطيط واضح وموضوعي لتعداد التخصصات إضافة لتكرار التخصصات بشكل كبير في الجامعات، لذلك ترتفع نسب البطالة.
ويقول "تعمل وزارة التربية والتعليم مع هيئة الاعتماد على خطة الهرم المقلوب التي تسعى لخفض نسبة الطلبة الوافدين إلى الجامعات وزيادة أعداد الطلبة في التخصصات التقنية والمهنية وهذا ما يحتاجه سوق العمل حاليا لتخفيض نسب البطالة".
ويؤكد الزعبي أنه نتيجة لصعوبة تغيير الخطط الدراسية في الجامعات كل عام، فمن واجبها تدريب الطلبة على المهارات الحياتية مثل التواصل والعمل بروح الفريق إضافة لتدريس اللغة العربية لأنها تعد أساسيات مهمة لأي خريج يبحث عن عمل".
ويبين أن مسؤولية مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل هي مسؤولية مشتركة بين الهيئة والجامعات ووزارة التعليم العالي.
ويقول "نتيجة لذلك نحن بصدد تحسين نوعية المخرجات التعليمية وتوفير المؤهلات المطلوبة لسوق العمل ضمن إطار وطني".
Comments (0)